وصلني خبر استشها.د شابٍ مفعمٍ بالحياة، التقيته مرةً واحدة فقط، لكنه شقيق صديقٍ عزيز يقيم خارج لبنان.
صديقٌ سبق أن فقد ابنته (11 عامًا) قبل نحو سنة بمرضٍ مفاجئ.
كأنّ الفقد صار قدره المتكرر. حُزنان لا يُعادلهما حُزن: فقدُ الابن وفقدُ الأخ.
الشاب هو محمد باقر يوسف عواضة، الذي استهدفته مسيّرة إسرائيلية اليوم في منطقة الزهراني في الجنوب.
لم أكن أعرف أصلًا أنه في صفوف المقا.ومة.
عرفته إنسانًا يضجُّ بالحياة.
ثم رأيت صور السيارة تحترق به.
هزّني الخبر بحزنٍ كثيف، مخلوطٍ بغضبٍ صامت.
لكن ما هو أقسى من الخبر نفسه، أنّ هكذا خبر لم يعد استثنائيًا.
صار خبرًا يوميًا.
عاديًا.
يمرّ على كثير من اللبنانيين من دون توقّف،
كأنه لا يعنيهم، وكأنه ليس مقدّمة لما هو آتٍ.
شابٌ يُقتل بمسيّرة إسر.ائيلية…
شاب لا يعرفونه… ولا يسألون عنه.
نُكمل أيامنا كأنّ شيئًا لم يكن، بينما في منزلٍ لبناني أُطفِئت حياة أبٍ وأخٍ وابن، ووُئِدتْ كل الأحلام.
ليس لدينا دولة تحمينا. لم تكن كذلك يومًا. أمرٌ ليس جديدًا علينا.
وهذا الفراغ تحديداً هو ما يجعل القتل ممكنًا، ومتكرّرًا، ومأمون العواقب.
والمقا.ومة، بحساباتها، ترى أنّ كلفة عدم الرد أقل من كلفة الرد.
قد يكون هذا صحيحًا في ميزانٍ معيّن.
وقد يسألني سائل عن البديل، عن الحل، عن الطريق.
لا أملك إجابة جاهزة، ولا وصفة سحرية.
لكن ما أعرفه يقينًا، أنّ هذا الواقع لا يمكن أن يستمر بلا أفق.
ما يُدفع دفعةً واحدة، مهما كان ثمنه،
قد يكون أقل بكثير من هذا النزف اليومي المفتوح على زمنٍ غير محدد.
دماء هؤلاء الشباب أغلى من أن تُستنزف هكذا، وأرقى بكثير من أن تُعامل كأخبار عابرة.
المشكلة أنّ محمد ليس الاسم الأخير،
وأننا نعرف ذلك.
ومعرفة ذلك، ثم القبول به،
هو أخطر ما في هذا الواقع…
واقعٌ لا يجب، ولا يمكن، أن يستمر كما هو.